عبد الملك الثعالبي النيسابوري
27
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فارتفع كعجالة الراكب ، وقبسة العجلان ، وقضيت به حاجة في نفسي . وأنا لا أحسب المستعيرين يتعاورونه ، والمنتسخين يتداولونه ، حتى يصير من أنفس ما تشح عليه أنفس أدباء الإخوان ، وتسير به الركبان إلى أقاصي البلدان ، فتواترت الأخبار ، وشهدت الآثار ، بحرص أهل الفضل على غدره « 1 » وعدهم إياه من فرص العمر وغرره « 2 » واهتزازهم لزهره ، واقتفارهم لفقره « 3 » ، وحين أعرته على الأيام بصري ، وأعدت فيه نظري ، تبينت مصداق ما قرأته في بعض الكتب : أن أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتابا فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه ، هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدة ؟ ورأيتني أحاضر بأخوات كثيرة لما فيه وقعت بأخرة إلى « 4 » ، وزيادات جمة [ عليه ] حصلت من أفواه الرواة لدي . فقلت : إن كان لهذا الكتاب محل من نفوس الأدباء ، وموقع من قلوب الفضلاء ، كالعادة فيما لم يقرع من قبل آذانهم ، ولم يصافح أذهانهم ، فلم لا أبلغ به المبلغ الذي يستحق حسن الإحماد ، ويستوجب من الاعتداد أوفر الأعداد ؟ ولم لا أبسط فيه عنان الكلام ، وأرمي في الإشباع « 5 » والاتمام هدف المرام ؟ فجعلت أبنيه وأنقضه ، وأزيده وأنقصه ، وأمحوه وأثبته ، وأنتسخه ثم أنسخه ، وربما أفتتحه ولا أختتمه ، وأنتصفه فلا أستتمه ، والأيام تحجز ، وتعد ولا تنجز ، إلى أن أدركت عصر السن والحنكة « 6 » ، وشارفت
--> ( 1 ) الغدر - بضمتين - جمع غدير ، وهو ما يتركه السيل من الماء . ( 2 ) الغرر - بضم ففتح - جمع غرة . ( 3 ) اقتفارهم : تتبعهم . تقول : اقتفر فلان الأثر ، وتقفره ، إذا تبعه . والفقر : جمع فقرة - بالكسر ، وبالفتح - وأصلها ما انتظم من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب ، وتستعار للجملة من الكلام البليغ . ( 4 ) في م « ورأيتني أحاضر بأجواب كثيرة مما ينسب فيه وقعت بآخرة إلى » . ( 5 ) في ج « وأرمي في الاتساع والاتمام » والمعنى واحد . ( 6 ) الحنكة - بضم الحاء وسكون النون - التجربة والخبرة . وتقول : حنكت السن الرجل - مخففا من بابي نصر وضرب ، وبتشديد النون - إذا أحكمته التجربة وصيره الاختبار حكيما .